مكناس ثراث عالمي

مكناس ثراث عالمي

مكناس عاصمة المولى إسماعيل

ville-historique-meknesلم يكن من السهل الإقرار و الاعتراف بعالمية مدينة مكناس و الاعتراف بها كتراث عالمي إنساني لولا  تضافر الجهود بين القيمين على الشأن المحلي آنذاك ووزارة الشؤون الثقافية حيث استمر هذا التعاون من سنة 1994 إلى حدود سنة 1996 إلى أن توج هذا المجهود بالاعتراف الرسمي من طرف منظمة اليونسكو في 7 دجنبر 1996 بكون مكناس ترثا عالميا، الأمر الذي عزز موقعها السياحي و الاقتصادي وسح المجال لجلب الاستثمارات و رؤوس الأموال لإقامة بعض المشاريع السياحية، و تحل هذه السنة الذكرى العشرون لهذا التصنيف العالمي و هذا الاعتراف الذي بوأ مدينة مكناس ضمن المدن المصنفة تراثا عالمي إنسانيا.

مكناس المدينة التاريخية:

التأسيس:

ترجع بعض المصادر التاريخية تأسيس مكناس إلى القرن الرابع قبل الميلاد، و قد بدأ اسمها كمدينة يبرز مع مطلع القرن الثالث للهجرة ( التاسع للميلاد) بعد أن رحل إليها فريق من مكناسة الزناتية و استقروا على ضفاف كل من وادي ويسلن ووادي فلفل المعروف اليوم بوادي العمائر أو بوفكران. و منذ النصف الأول من القرن الخامس (11م) أصبحت تعرف بمكناسة الزيتونة تمييزا لها عن مكناسة تازا و مكناسة الأندلس، و حتى نهاية القرن الخامس ظل هذا الإسم يطلق على مجموعة غير محصنة من المدائن و الحوائر كان المعروف منها لايتعدى اثنين هما : عوسجة التي استقر بها أحد أمراء الأدارسة، وورزيغة التي يقال إن أصل سكانها يرجع إلى بقايا الروم البيزنطيين.

الفترة المرابطية:

في هذا العصر استقرت بالمنطقة أقوام متعددة الأجناس كان فيهم الأندلسيون الذين سكنوا قرية الأندلس بتاورة و حارة بني نروان بورزيغة، و فيهم أمازيغ صنهاجة الصحراء الذين أقاموا ببني موسى و بني زياد، و أمازيغ زناتة ومغراوة من صنهاجة المرابطين الذين سكنوا تزكين و حصن تاكرارت، فيهم السودان الذين سكنوا ضمن تاورة، و فيهم أشراف الأدارسة في العهود الأولى من تأسيسها.

و قد بلغت هذه المدائن منذ عهد المرابطين و خاصة منها تاورة و بني زياد وورزيغة من التقدم العمراني و الاقتصادي ما حمل بعض المؤرخين على التنويه بها كالإدريسي في “نزهة المشتاق” و ابن غازي في “الروض الهتون”

العهد الموحدي:

meknes-mowahidineدخلت مكناسة على العهد الموحدي في مرحلة التمدن و الحضارة، فزودت بالماء الذي جلب إليها من عين تاكما، و زيد من سعة الجامع الأعظم، وأعيد بناء صومعته، و بنيت أربع حمامات هي : حمام الكدية، و هو حمام المولى عبدالله بن أحمد ن وحمام الجديد، و الحمام الصغير، و حمام الفنش الذي بني بحي سيدي أحمد بن خضراء من طرف أمير إسباني يدعى ألفونسو كان ممن نزح من الأندلس إلى مكناس.

و في إطار توسيع المدينة و تزويدها بالمرافق الإدارية و الاقتصادية أحدث الموحدون أحياء جديدة منها حي سيدي أحمد بن خضراء، و حي حمام الجديد، كما أحدثوا دار الأشراف التي أصبحت مقر المشرف على الجبايات و حضروا القصبة على أنقاض حصن تاكراكرت المرابطي و غرسوا منطقة حمرية زيتونا و كروما.

و قد سجل العصر الموحدي مرحلة حاسمة في استكمال مدينة مكناس لكيانها، بعدما عملت الحرب مع المرابطين على إضعاف المدائن والحارات التي كانت تحيط بها.

العهد المريني:

عرفت الحوائر الواقعة على ضفاف ويسلن و بوفكران نهايتها مع حلول العهد المريني فاندثرت مواقعها و تحولت إلى جنات مغروسة، و نزح أهلها إلى المدينة الجديدة للاستقرار في أحيائها. ثم انضم إليهم بعض مسلمي الأندلس النازحين إلى المغرب، وبذلك ضاقت المدينة بالسكان و اتجه اهتمام الدولة إلى توسيعها: و شرع يوسف في بناء قصبة جديدة بها كما شرع في ببناء جامعها المعروف اليوم بجامع عودة. تم اتجه الاهتمام إلى إنشاء المرافق العامة ذات الطابع العلمي و الاجتماعي فأسست المدرسة الفيلالية و المدرسة البوعنانية و مدرسة العدول لإيواء الطلبة الذين كانوا يلازمون حلقات الدراسة بالجامع الأعظم و غيره.

و قد أحدثت خزانات للكتب و أجريت بهاج رايات على العلماء و المتعلمين: كم بنيت سقايات و قناطر: وزوايا كانت بمثابة دور لنزول المسافرين و الغرباء كزاوية عقبة الزيادين بنافورتها و مئدنتها: و دار الشيوخ التي بنيت لإيواء العجزة من الضعفاء، والمارستان الذي شيد بحي حمام الجديد.

و تمتاز المنشآت المرينية بجنوحها إلى المزج بين الطابعين المغربي و الأندلسي في أسلوب مبتكر و هو أسلوب جمع إلى متانة الهيكل معالم الزخرفة و التنميق و النقش و الترخيم: مما يكشف ‘ن إحساس عميق بالجمال و تجانس رائع أخاذ و رقة متناهية في اختيار الألوان.

العهد العلوي:

lahdim-meknesتحول مسار مدينة مكناس منذ اتخاذها عاصمة لملك مولاي إسماعيل، حيث أدخل عليها جملة من التعديلات مست القصبة المرينية و ما كان يليها من مساكن، ثم شرع في بناء القصبة الإسماعيلية.

و قد حرص المولى إسماعيل على أن يجعل من هذه المدينة عاصمة في مستوى الأحداث المعاصرة، و لم يكن اهتمامه بتشييد معالمها بأقل من اهتمامه بترسيخ أسس العلاقات الدبلوماسية مع دول العالم شرقا وغربا، وبذلك جعل منها مفخرة العصر حتى قال عنها المؤرخ الفرنسي سان ألون سفير لويس الرابع عشر إلى المولى إسماعيل : لقد كان المولى إسماعيل يريد أن يحدث لأمته آية من آيات ملكه. و قد كانت المنشآت التي أسسها السلطان العلوي تكتسي طابعا خاصا يتميز عن النسيج التقليدي للمدينة العتيقة بخصوصيات تتجلى في ضخامة التعمير من جهة و في تكامل النسيج المعماري و طبيعته الوظيفية من جهة أخرى، مما يدل على وجود مخطط كامل و هادف يرمي إلى تزويد المدينة بكل المرافق الضرورية للحياة الاجتماعية و الاقتصادية و الإدارية.

و في إطار هذا النسيج العمراني الجديد، أحاط المدينة بسلسلة من الأسوار المتينة يخترقها عشرون بابا عليها بروج، ما تزال قائمة منها باب الخميس و باب بردعاين وباب القصدير و باب تيزيمي و باب الرايس و باب منصور.. كما شيد المولى إسماعيل مجموعة من المؤسسات من بينها قصر المنصور و قصر المحنشة و الدار الكبيرة و ستينية، و مخزن الحبوب، وصهريج الصواني، والإصطبل الذي كان يسع ل 12.000 فرس، و قبة السفراء، و حبس قارة، و أحدث مساحات خضراء شاسعة، أهمها جنان بنحليمة. و قد أضاف السلطان سيدي محمد بنعبدالله مؤسسات أخرى أبرزها قصر الدار البيضاء و جامع الأروى (الأزهر)..

فلنجعل هذه السنة حيث ستحل الذكرى العشرون لتصنيف المدينة تراثا عالميا من طرف اليونسكو سنة احتفاء بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى بكل هذا الموروث الحضاري التاريخي الذي لم يتسع المجال للحديث عنه بشكل أوسع.

تعليق